الرئيسيةالرئيسية  المنشوراتالمنشورات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
القرآن الكريم
مواقيت الصلاة
خط خارجي - راس الوادي نت
هل تعلم

في مثل هذا اليوم
اختبر معلوماتك

شاطر | 
 

 عمر يسأل عن الوطن* محمد ديب*

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ترشه عمار
tercha-ammar
tercha-ammar


عدد المساهمات : 5597
تاريخ التسجيل : 18/03/2011
العمر : 56

مُساهمةموضوع: عمر يسأل عن الوطن* محمد ديب*   السبت 1 أغسطس 2015 - 22:44

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
عمر يسأل عن الوطن
محمد ديب
August 1, 2015
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

ما أن جلس التلاميذ على مقاعدهم حتى أعلن المعلم بصوت كأنه صوت البوق أن الدرس درس أخلاق.
ـ أخلاق.
الدرس درس أخلاق. إذن في وسع عمر أن ينتهز هذه الفرصة ليمضغ الخبز الذي كان في جيبه ولم يستطع أن يعطيه للمقمط بالقميص الكاكي.
سار المعلم بضع خطوات بين مناضد التلاميذ، فتبددت الضوضاء الصماء، ضوضاء ضرب الأرض بالنعال وخبط المقاعد بالأرجل، والنداءات والضحكات والهمسات. وخيم الهدوء المؤقت على القاعة كأنما بسحر، فإذا التلاميذ يحبسون أنفاسهم، وينقلبون إلى أولياء صالحين. ولكن رغم سكوتهم ورغم اجتهادهم، كان يتموج في الجو فرح خفيف مجنح متراقص كالضياء.
سرّ الأستاذ حسن، فسار إلى منبره، وأخذ يقلّب أوراق دفتر كبير، ثم قال:
ـ الوطن…
لم يكترث الصبية بالنبأ. إنهم لا يفهمون. وعسكرت الكلمة في الهواء تهتز.
ـ من منكم يعلم معنى كلمة: الوطن؟
فقامت حركات عكرت هدوء الفصل، فضرب المعلم إحدى المناضد بعصاه، فأعاد إلى القاعة النظام. بحث التلاميذ فيما حولهم، وطافت نظراتهم بين المناضد، وعلى الجدران، ومن خلال النوافذ، وفي السقف، وفي وجه المعلم. ظهر واضحاً أن الوطن ليس في أي مكان من هذه الأمكنة التي طافت بينها نظراتهم. إن الوطن ليس في الفصل. ونظر التلاميذ بعضهم إلى بعض. إن منهم من كان يضع نفسه خارج المنافسة، ويصبر راضياً سعيداً.
رفع إبراهيم بالي إصبعه. ها… إذن هو يعرف. لا غرابة. إنه يعيد سنته، فلا بد أن يعرف.
قال إبراهيم:
ـ فرنسا هي أمّنا الوطن.
كان صوته الأخنف هو الصوت الذي يصطنعه كل تلميذ حين يقرأ. فحين سمع التلاميذ هذا الكلام، أصبحوا يقرقعون جميعاً أصابعهم، أصبحوا يريدون جميعاً أن يتكلموا. ودون استئذان رددوا العبارة نفسها متنافسين.
كانت شفتا عمر مزمومتين، فهو يعجن في فمه لقمة من الخبز. فرنسا، عاصمتها باريز. إنه يعرف هذا. الفرنسيون الذين يراهم في المدينة، قادمون من تلك البلاد. وإذا أراد أحد أن يذهب إلى هناك أو يعود من هناك، عليه أن يجتاز البحر، أن يركب باخرة. البحر، البحر الأبيض المتوسط. إنه لم ير البحر في حياته، ولا رأى باخرة. ولكنه يعرف: يعرف أن البحر مساحة كبيرة من الماء المالح، وأن الباخرة نوع من خشبة كبيرة عائمة. وفرنسا، رسم ملوّن بعدّة ألوان. ولكن كيف تكون تلك البلاد البعيدة أمّه؟ إن أمّه في البيت. إنها «عيني». وليس له أمّان اثنتان. «عيني» ليست فرنسا. ليس ثمة أشياء مشتركة بين أمّه وفرنسا. لقد اكتشف عمر الكذبة. فرنسا ليست أمّه، سواء أكانت هي الوطن أم لم تكن هي الوطن. إنه يتعلم أكاذيب، تحاشياً لعصا الزيتون الشهيرة. هذه هي الدراسة. الإنشاء. صفّ سهرة إلى جانب الموقد. إن الأستاذ حسن يقرئهم نصوصاً تتحدث عن أولاد منكبّين على القراءة في جدّ ونشاط، نور المصباح ينصب على المنضدة… بابا غارق في أريكة يقرأ جريدة، وماما تطرّز. إن عمر مضطر إلى أن يكذب. وها هو ذا يكمل وصف السهرة، النار تتأرجح في الموقد، رقاص ساعة الحائط يدق، جو البيت دافىء لذيذ بينما المطر يهطل في الخارج، وبينما الريح تعصف، والظلام دامس. ما أمتع الجلوس في البيت أمام نار الموقد.. وهكذا: صفْ البيت الريفي الذي تقضي فيه إجازة الصيف: نبات اللبلاب يتسلق على جدران واجهة البيت. الماء يزقزق في الساقية عند المرج القريب. الهواء نقي. ما أسعد المرء باستنشاق الهواء ملء رئتيه! موضوع آخر: الفلاح. ها هو ذا يدفع محراثه فرحاً وهو يغنّي فترافقه في الغناء قبّرة تغرّد. المطبخ: هذه آنية الطهي مصفوفة منظفة ملمعة كأنها المرايا. عيد الميلاد: شجرة عيد الميلاد المزروعة في البيت، خيوط الذهب والفضة، الكرات ذات الألوان المتعددة، اللعب التي يعثر عليها في الأحذية. فطائر «العيد الصغير»، الخروف الذي يذبح في «العيد الكبير».. هكذا الحياة…
كان التلاميذ يقولون: أحسن تلاميذ الفصل من يعرف كيف يكذب خيراً من غيره، من يعرف كيف يرتّب كذبه.
كان عمر يفكر في طعم الخبز الذي في فمه. وراح المعلم يعيد فرض النظام، على مقربة منه. إن صراعاً دائماً يقوم بين القوة المنطلقة المتموجة التي تمور في الطفل، وبين القوة الساكنة المستقيمة التي يريدها النظام. وبدأ الأستاذ الدرس:
ـ الوطن هو أرض الآباء. هو البلد الذي نسكن منذ أجيال.
وتوسع الأستاذ حسن في الموضوع، فشرح وفسّر. وكان الصبية يسجّلون كلامه، بعد أن حبس ما في نفوسهم من رغبة في الحركة حبساً قوياً.
ـ ليس الوطن هو الأرض التي نعيش فوقها فحسب، بل هو كذلك كل ما على هذه الأرض من سكان، وكل ما فيها بوجه الإجمال.
يستحيل أن يفكر المرء في الخبز طوال الوقت. سيحتفظ عمر بحصة الغد لصاحب القميص الكاكي. هل يشمل الوطن صاحب القميص الكاكي أيضاً؟ المعلم يقول هذا. إنه لأمر غريب مع ذلك أن يكون المقمط بالقميص الكاكي.. ثمّ أمّه؟ وعيوشة؟ ومريم؟ وسكان دار سيطار؟ هل هؤلاء جميعاً يعدّون من الوطن؟ وحميد سراج أيضاً؟
ـ وحين يأتي من خارج الوطن أناس أجانب يدّعون أنهم السادة، فإن الوطن يكون عندئذ في خطر. هؤلاء الأجانب أعداء، يجب على جميع الأهالي أن يدافعوا عن الوطن، وأن يقدموا حياتهم ثمن ذلك.
أي بد هو بلده؟ إن عمر يود لو يسأل المعلم ذلك، كي يعلم. أين أولئك الخبثاء الذين يدّعون أنهم السادة؟ من هم أعداء بلده، من هم أعداء وطنه؟ لم يكن عمر يجرؤ على أن يفتح فمه لطرح هذه الأسئلة، بسبب طعم الخبز.
 
من «الدار الكبيرة»،
ترجمة سامي الدروبي، 1960

نجيب محفوظ مغاربي
رغم أنه لم يكتب إلا باللغة الفرنسية، مضطراً كما يتوجب التنويه، فإنّ الأديب الجزائري (1920 ـ 2003) يستحق لقب شيخ الرواية المغاربية الحديثة؛ بل لعله، ليس دون أسباب وجيهة عديدة، عُدّ نجيب محفوظ الرواية المغاربية. وقد يكون السبب الأبرز هو ثلاثياته الشهيرة، التي تذكّر بثلاثية محفوظ بالطبع: ثلاثية الجزائر ـ 1، التي ضمّت «الدار الكبيرة»، و»الحريق»، و»النول»، بين 1952 و1957؛ وثلاثية الجزائر ـ 2، وصدرت في إطارها روايات «من يتذكر البحر»، و»الركض على الضفة البرّية»، و»رقصة الملك»، بين 1962 و1968؛ ثمّ ثلاثية الموضوعات الإسكندنافية، التي نجمت عن إقامة مديدة في فنلندا، وفيها «شرفات أورسول»، و»منام حواء»، و»ثلوج الرخام»، بين 1985 و1990.
لكن ديب شاعر أيضاً، وقد أصدر ثمانية أعمال في الشعر والسرد الشعري، كما حصل على جوائز رفيعة تكريماً لهذه الأعمال؛ أسوة بالجوائز التي نالها احتفاءً بمنجزه الروائي، والقصصي، الزاخر. وذات يوم قارنه الشاعر الفرنسي الكبير لوي أراغون باثنين من كبار شعراء فرنسا: «هذا الرجل، ابن بلد لا صلة له بالأشجار أمام نافذتي، ينطق بكلمات فيون وبيغي». كذلك كتب القصة القصيرة، وامتهن العمل الصحافي إلى جانب كاتب ياسين ومولود فرعون، ورغم مشاركته النشطة في حركة التحرر الوطني الجزائرية، وصداقته الشخصية مع الفيلسوف الفرنسي البير كامو؛ إلا أنه لم ينخرط في السجالات الساخنة التي خاضها زملاؤه حول الهوية والثقافة، والاغتراب في اللغة، وإشكاليات الاستيطان الفرنسي، ومسائل الاستعمار والاستقلال.
ويبقى ذلك الجانب الهامّ في حياة ديب الثقافية، والذي بدا غريباً بعض الشيء وخارجاً عن سياق اهتماماته: انهماكه في تسجيل التراث السردي الشفوي الجزائري، والمغاربي عموماً على نحو ما، وتدوين مجموعة ضخمة منه في ثلاثة مجلدات، أعطى بعضها صفة الحكايات للأطفال: «بابا فكران»، و»حكاية القطّ الساكت»، و»الخرتيت الذي ظنّ نفسه نذلاً». المرء، هنا، ليس أمام مشروع إحياء فولكلوري، نصوصه منتقاة بعناية، فحسب؛ بل في قلب مشروع تربوي وسوسيولوجي وثقافي عميق الغور، واسع النطاق، عابر للأجيال.
 

محمد ديب




[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]



[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://tercha.forumalgerie.net
 
عمر يسأل عن الوطن* محمد ديب*
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: الفئة الأولى :: آداب و فنون-
انتقل الى: